عثمان بن جني ( ابن جني )
132
الخصائص
وعلّة جواز هذا البيت ونحوه ، مما حذف فيه ما يقوى بالحركة ، هي أن هذه الحركة إنما هي لالتقاء الساكنين ، وأحداث التقائهما ملغاة غير معتدّة ، فكأنّ النون ساكنة ، وإن كانت لو أقرّت لحرّكت ، فإن لم تقل بهذا لزمك أن تمتنع من إجماع العرب الحجازيين على قولهم : أردد الباب ، وأصبب الماء ، واسلل السيف . وأن تحتج في دفع ذلك بأن تقول : لا أجمع بين مثلين متحرّكين . وهذا واضح . ومن طريف حديث اجتماع السواكن شيء وإن كان في لغة العجم ، فإن طريق الحسّ موضع تتلاقى عليه طباع البشر ، ويتحاكم إليه الأسود والأحمر ، وذلك قولهم : " آرد " للدقيق و " ماست " للّبن ؛ فيجمعون بين ثلاثة سواكن . إلا أنني لم أر ذلك إلا فيما كان ساكنه الأول ألفا ، وذلك أن الألف لما قاربت بضعفها وخفائها الحركة صارت " ماست " كأنها مست . فإن قلت : فأجز على هذا الجمع بين الألفين المدّتين ، وأعتقد أن الأولى منهما كالفتحة قبل الثانية . قيل : هذا فاسد ؛ وذلك أن الألف قبل السين في " ماست " إذا أنت استوفيتها أدّتك إلى شيء آخر غيرها مخالف لها ، وتلك حال الحركة قبل الحرف : أن يكون بينهما فرق ما ، ولو تجشّمت نحو ذلك في جمعك في اللفظ بين ألفين مدّتين ، نحو كساا ، وحمراا ، لكان مضافا إلى اجتماع ساكنين أنك خرجت من الألف إلى ألف مثلها ، وعلى سمتها ، والحركة لا بدّ لها أن تكون مخالفة للحرف بعدها ؛ هذا مع انتقاض القضية في سكون ما قبل الألف الثانية . ورأيت مع هذا أبا على - رحمه اللّه - كغير المستوحش من الابتداء بالساكن في كلام العجم . ولعمري إنه لم يصرّح بإجازته ، لكنه لم يتشدّد فيه تشدّده في إفساد إجازة ابتداء العرب بالساكن . قال : وذلك أن العرب قد امتنعت من الابتداء بما يقارب حال الساكن ، وإن كان في الحقيقة متحركا ، يعنى همزة بين بين . قال : فإذا كان بعض المتحرك لمضارعته الساكن لا يمكن الابتداء به ، فما الظن بالساكن نفسه ! قال : وإنما خفى حال هذا في اللغة العجمية لما فيها من الزمزمة " 1 " ؛ يريد أنها لمّا
--> ( 1 ) الزمزمة : تراطن المجوس عند أكلهم وهم صموت ، لا يستعملون اللسان ولا الشفة في كلامهم ، لكنه صوت تديره في خياشيمها وحلوقها فيفهم بعضهم عن بعض . وانظر اللسان ( زمم ) .